|
|
#1 |
|
عُتمةُ حواس
تاريخ الانضمام: Nov 2008
محل السكن: جزائرية و أفتخر و الي مو عاجبه ينتحر
المشاركات: 1,249
![]() |
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ساكني قصور الابداع القصص والشعري يوم عصيب .. يوم يصادف ذكرى وفاة... في هدا اليوم انتقلت الي رحمة الله تعالى القاصة السعودية هديل محمد عبدالرحمن الحضيف (1983-2008) ارتأينا لنمجد ذكراها اليوم برغبة من محبتها زاد الروح سنبدأ بسرد سيرتها الداتية : كانت قاصة ومدونة سعودية حاصلة على بكالوريوس (رياض أطفال) من كلية التربية، بجامعة الملك سعود. كان لها أثرٌ ملموس في عالم التدوين والقصة في السعودية في حين لم يتجاوز عمرها الخامسة والعشرين عاماً، واعتبرها كثير من المدونين في السعودية إحدى أبرز رائداته. شاركت هديل الحضيف في العديد من البرامج التلفزيونية في قنوات عدة. وأصدرت مجموعة قصصية بعنوان "ظلالهم لا تتبعهم" من إصدارات مؤسسة وهج الحياة الإعلامية في العام 2005، كما عرضت مسرحية من تأليفها بعنوان "من يخشى الأبواب" على مسرح جامعة الملك سعود بالرياض، وفازت بالمركز الأول في مسابقة النص المسرحي، ضمن فعاليات النشاط الثقافي عام 2006. مولدها: ولدت في مدينة الرياض بتاريخ 19 إبريل من عام 1983 للميلاد. وهي الإبنة البكر لوالديها في عائلة من8 إخوة. نشأتها: عاشت صغرها وطفولتها الأولى، متنقلة بين عدة دول، في مدن عديدة في الولايات المتحدة وبريطانيا.. بسبب ظروف والدها د.محمد عبدالرحمن الحضيف الدراسية، حتى استقرت بمدينة الرياض عام 1992م، ولم تتركها حتى وفاتها. من أعمالها من يخشى الأبواب (مسرحية) : وقد عرضت على مسرح جامعة الملك سعود. ظلالهم لا تتبعهم (مجموعة قصصية): نشرت بواسطة دار وهج الحياة الرياض 1425هـ.[10] غرفة خلفية (نصوص مختلفة): كتاب تم الاعلان عنه في 25 فبراير 2009 جمعه ونقحه والد هديل الدكتور محمد الحضيف من محتويات مدونتها الشخصية التي تحمل نفس عنوان الكتاب. الكتاب من نشر دار وهج الحياة وسيتم توزيعه لأول مرة في معرض الكتاب الدولي بالرياض. وفاتها أصابتها غيبوبة لا يعرف سببها استمرت خمسة وعشرون يوما، ثم أصيبت بسكتة دماغية أدّت لوفاتها صباح يوم الجمعة بتاريخ 16 مايو 2008 و صُليَّ عليها في مدينة الرياض. وقد أثارت أحداث غيبوبتها وموتها اهتماماً شعبياً بين المدونين والكتاب والصحفيين في السعودية، لاسيما بعد تأخر نقلها إلى مستشفى حكومي بسبب عدم توفير سرير لها. الجائزة في منتصف يوليو 2008 تم الإعلان عن "جائزة هديل العالمية للإعلام الجديد". الجائزة هي جائزة عالمية في ذكرى هديل، تهدف إلى اكتشاف، و تحفيز، وإبراز المواهب الإبداعية العربية في مجال الإعلام الجديد. تُشرف على الجائزة مؤسسة إعلامية غير ربحية سأترك الموضوع مفتوح لكل من يريد مشاركتنا اليوم باحياء ذكراها الجميلة ودي لكم |
|
|
|
|
|
#2 |
|
عُتمةُ حواس
تاريخ الانضمام: Nov 2008
محل السكن: جزائرية و أفتخر و الي مو عاجبه ينتحر
المشاركات: 1,249
![]() |
و انا ابحث عنها وجدت مقابلة لها في أحد المنتديات التي كانت عضوة فيه:
المضيف: كما الندى .. حرفٌ يأتي على شفا النور .. هديل بنت محمد الحضيف .. قاصّة .. مبدعة ..وعضو قديم في ...... احببنا قربها هاهنا .. فجلبنا لكم نورها أجمع ...! هديل الحضيف .. حرف النور المؤجج بالجمال .. معكم في شرفة للضوء .. من السبت حتى الجمعة .. - هديل بنت محمد الحضيف - من مواليد عام 1403 –1983 في مدينة الرياض - طالبة في جامعة الملك سعود في الرياض - محررة باب (إبداع) الأدبي في مجلة حياة - أكتب في عدد من المنتديات الإلكترونية ، - صدرت لي مجموعة قصصية عن مؤسسة وهج الحياة للإعلام تحت عنوان (ظِلالهم لا تتبعهم) 1: صدور مجموعتك (ظلالهم لاتتبعهم)بعد كثيرٍ من الترقب سيما وقدذكرتِ-قبل سنة-على الأكثر ان صدور مجموعة يعتبر حلماً لم يحن .. هديل هاقد جاء الحلم فبأي سماء أظللته ؟ هديل الحضيف: كنتُ قد ذكرت ُ يوما للصفحة الثقافية في جريدة (الاقتصادية) :"إن إصدار كتابا يحمل اسمي ، حلما لم يأتِ بعد أوان تحقيقه" . حينها .. كانت تجربتي الكتابية في نظري ، تمر في طور نمو مرحلي ، و كنت مقتنعة أنه لم يحن الوقت بعد لتوثيقها ، خصوصا أن الفضاءات الإلكترونية ، قد منحتني مساحة كافية ، و وفرت لي تفاعلا مباشرا ، و سريعا مع قراء نصوصي ، و هو ليس معيارا للحكم على نضوج التجربة . بعد انتهائي من كتابة ( قارب الميدوز ) ، في رمضان الماضي ، اعتقدتُ أني وصلتُ لنهاية (مرحلة) أعيشها ، و أنه قد آن الوقت لتوثيقها، كي أؤسس لمرحلة جديدة .. و كان لوالديّ ، و أختي أروى ، و صديقتي الجميلة .. عائشة القصيّر ، الدور الأكبر في تحفيزي على إصدار المجموعة ، و أيضا لمؤسسة وهج الحياة ، الشكر الجزيل ، لأنها تكفلت بطبعها و توزيعها ، دون أن تحمّلني أيّة أعباء مالية ، فساهم ذلك كله بعد فضل الله ، في أن تخطو (ظِلالي) إلى النور ، و تصير على الورق حرفا سويا .. يجب أن أذكر هنا ، بكثير الامتنان ، أستاذتي الرائعة : حصة بنت أحمد الغراس ، التي ما زالت تلح على الذاكرة بجميل فضلها عليّ ، و على قلمي .. رغم مسافات الزمان و المكان التي تحول بيني و بينها .. فلها كثير من الشكر و العرفان ؛ لعلها قريبة ، فتسمع الصوت .. المضيف: 2:ضيّ/مدن خرساء/مطر قاحل/الجمعه12pm/إنطفاء وغيرها .. عناوين لنصوص ادبية في المجموعة .. هل تلاحظين انك تكتبين الهمّ والقضية بشكل من الأشكال، هل يعني هذا تباعاً انك من المؤمنين ان الكتابة همّ ورسالة..! هديل الحضيف: لستُ من أنصار الكتابة الرسالية المباشرة ، و قد أغفلُها كثيرا ، لكني أعتبر (الهم) عنصرا أساسيا في نصوصي ، و الحزن الإنساني ، مصدرا رئيسا لقلمي و حرفي .. المضيف: 3: (الأدب الإسلامي) يُعايش نوعاً من الدور المنفصل ,,برأيك ماذا يحتاج للخروج من هذه الأزمة؟ هديل الحضيف: لم أصل بعد لمرحلة وضع الحلول ، أو ممارسة دور المنقذ أو المخلّص ، لكني أتكلم من وجهة نظر شخصية بحتة ، و هي أن مشكلة (الأدب الإسلامي) -رغم أني لا أحبذ هكذا تصنيف – ، ترفّعه عن الشارع ، و اتخاذه برجا عاليا يحكي من فوقه ، فأصبح خطابه مثاليا ، و لا يناسب الإنسان المهموم بجروح لم يحاول كثير من الكتّاب الإسلاميين التطرق لها ، أو الإشارة إليها . أيضا ، امتهن العديد من الأدباء الإسلاميين –إن جاز التعبير - ، الكتابة بـ اللغة الوعظية المباشرة ، أو التفرغ لانتقاد الأعمال المقدمة من متبعي التيارات الأخرى ، و التحذير منها ، دون تقديم بديل جيّد عنها .. رغم أن الكثير من تلك الأعمال (الموضوعة على القائمة السوداء) تحمل أدبا راقيا ، و فنا جميلا ، من حيث اللغة و الأسلوب ، لا يمكننا إنكاره ، رغم مخالفتنا لبعض أفكار و معتقدات كاتبيها . المضيف: 4:في (قارب الميدوز)كان الهمّ انساني عام.. هل تؤمن هديل بشمولية هم الكاتب المسلم ..وهل هذه الهموم تستحق الكتابة بنظرك ؟! هديل الحضيف: الكاتب المسلم جزء من العالم ، و خيط في نسيج الإنسانية .. شاء أم أبى .. و كتابتي لـ (قارب الميدوز) ، التي حاولت أن أتناول فيها جزءً يسيرا من الفظائع التي اجتاحت العالم سنوات الحرب العالمية الثانية - و منها دول العالم الإسلامي - ، ليست سوى تجسيدا لوحدة الهم العالمي .. في بعض جوانبه . (قارب الميدوز )، قصة ذات نكهة إيطالية ، لكن الألم الإنساني فيها ليس إيطاليا فحسب ، ملايين المسلمين يواجهون ذات المصير الذي واجهه (انطونيو ) ، و آلاف منهم ، كان الموت بانتظارهم ، كما كان بانتظار (مانويلا) . المغاربة .. الجزائريين .. العراقيين .. الأندونيسيين ، و غيرهم الكثير ، يتكدسون في قوارب ضيقة ، و في قلوبهم حلم صغير .. و جميل ، لا يلبث أن يموت .. أو أن يتحقق مشوها ، و كسيحا .. المضيف: 5:متى تغادر هديل القصة إلى الشعر أو المقالة .. وهل لها أن تحسر الضوء عن بعضٍ مماسلف من الشعر ؟! هديل الحضيف: لا أظن أني قادرة على مغادرة القصة ، إلى غيرها من شعر و مقالة .. في القصة وجدتُ قلمي و حرفي .. و هي الصنعة التي أعتقد أني أتقنها .. بخلاف الشعر ، الذي لا أجيد منه سوى قراءته .. و تذوقه .. أما ما سلف من الشعر ، فهو مجرد شخبطات لا ترقى للتصنيف في خانة الشعر ، ناهيك عن النشر بأي حال من الأحوال .. المضيف: في نهاية هذا اللقاء يطيب لي ان اشكرك اختي هديل على موافقتك وحضورك هنا ، واحبّ ان انوه للاخوات /الاخوة ..ان اللقاء مشرع لهم ليتوجهوا باسئلتهم للقاصة:هديل الحضيف .. حتى يوم الجمعة .. حوار جميل و شيق .... ورودي لكم |
|
|
|
|
|
#3 |
|
أعشق التمرد
تاريخ الانضمام: Aug 2007
محل السكن: ~*~JoRdAn~*~
المشاركات: 2,198
![]() |
![]() مدن خرساء لا تعُد .. سمعها مع صرير الباب الذي أُغلق خلفه .. لن أفعل .. ثم مضى يثير أغبرة الأزقة . لفظته القرية سريعا ، بعد أن ضاقت بخطاه المزعجة . لوهلة ، امتلأت روحه سعادة بهذا النفي المبكر ، لأن المكان لا يسمح لصعلكته بكثير من التسكع .. و الوجوه أكثر من أن يحتمل عبوسها .. مشى عبر الشارع الوحيد الذي ينخر القرية المصابة بالصحراء .. استقبل وجه الشمس .. و شدّ رحاله الشحيح نحوها .. * * * النهار رماديّ السماء .. يعبر الأوردة بذاكرة ناقصة ، و أنفس ما فارق طباعها النزق .. مذ وعى على بلادة القرية ، و الأسئلة تموت على أعتاب علامة استفهام ، لم يجد إلا إجابات بمعالم خافتة ملقاة على حواف الدروب . ما من بيت من البيوت التي خلّفها وراءه ، آواه يوما كاملا ؛ تفتح له أحدها بابها صباحا ، ليجد قدمه تلعق نواصي الطرق في الليل .. و ترمي له بفتات غدائها .. لتحرمه العشاء .. لا يعرف أي غياب أخفى والديه .. سمعهم يتهامسون مرارا بأن وجهه (الأسود) ، تسبب في مقتل والده الذي كرّس العمر لانتظاره .. أما أمه .. فقد ساهم والد (محماس) في رجمها ، كما قال له محماس نفسه بعد عراك بينهما ، حينها .. لم يعبأ بالأمر كثيرا ، ابتسم ، و ترك له هالة زرقاء حول عينه الأخرى . (أم سليّم) ، التي غالبا ما تخلط بينه و بين ابن أختها مسعود ، و أحيانا تظن أنه ابنها (عايد) الذي جرفته السيول في سنة (الغرق) ، فتحتضنه و هي تبكي ، ثم تنتبه إلى خطئها ، لتدفعه عنها بجفاء ، ثم تطرده خارج منزلها و هي تشتمه.. مرة ، حاول أن يسألها ، فأجابته : لقد ولدتَ في نفس اليوم الذي ولد فيه (بن فالح) . قبّل رأسها ، ثم تقيأ على عتبة دارها .. * * * ليلة قديمة ، تخيلتُ أن الشمس هي أم الأرض ، و أنها قد أقسمت أن تتبنى كل الأطفال التائهين ؛ لم أنم تلك الليلة ، انتظرت الشمس لأخبرها بأني عازم على الرجوع إليها . كان صباحا مختلفا ، وجدتُ الكون مغمورا بنور هلامي لطيف ، لم يكن له مصدر واضح ، كل ما أراه : سيل من الوهج اللانهائي ، يومها .. أيقنتُ أن الشمس أمي ، و أنها بهذا النور تخبرني بقبولها بي ابنا لها .. البارحة فقط ، قررتُ السفر إليها . يممت وجهي شطر الشمس قبل أن يستيقظ الفجر ، لم يكن قد ظهر سوى شعاعا باهتا ، ما حمل الضوء في ثناياه بعد . حملت على ظهري قليل من طعام ، و كثير من حلم .. و امتطيت صهوة أمل للرحيل . مساحة من أبد ، تتهادى كالمستحيل.. و على خط بعيد ، تلتقي السماء بالأرض . أصوات مبعثرة لديكة و حمير تأتي من خلفي ، و صمت نديّ يمتد أمامي بلا مدى . أغمضتُ عينيّ ، و أسلمتُ خطاي لرائحة مطر عتيق . رحتُ أركض نحو الشمس حين أطلت برأسها ، فيض من حبور داخَل روحي المترعة بالجروح الطرية ، و أخذ يملأها بنكهة الغيم و الشيح .. و تراب ما غادره البلل بعد .. شعرتُ بحلمي يحلق بلا قيد .. بيدين مشرعتين لاحتضاني .. بأمي .. الشمس ، تخبئ أبي من خلفها .. ثم تعلنه لي كـهلال العيد .. كل شيء كان يحمل فرح المرة الأولى .. دهشة المرة الأولى .. و ضحكة طفل امتلأ بالعالم فجأة ! حملتُ جسدي على قدميّ ، و مضيت أجري باتجاهها .. كانت هناك ، حيث الخط الذي تتعانق فيه الأرض و السماء بمنأى عن أعين أهل القرية الثرثارين ، و في كل مرة ، كانت (أمي) توغل في البعد ، تاركة قدميّ نهبا للجروح الغائرة .. حتى سقطتُ خائر الحلم .. * * * لا صوت إلا صفير الكثبان البعيدة ، تعربد بها الريح ، و تدفن برمالها منابع الحياة. طوفان من الضوء الصاخب يقتحم عينيّ ، ثم يرتد عنها تاركا بقع سوداء تسبح داخلها ، و خيال لماء بعيد . عطش حارق يتسلق جدران حلقي ، و يزرع كتل لهيب في أرجائه .. بحثتُ عن سلم يصعد بي إلى (أمي) التي ارتفعت في السماء ، و حين أعييتُ ، بكيتُ راجيا منها أن تسامحني ، و أن لا تتخلى عني .. ساعات طويلة مضت ، و (أمي) تزداد غضبا ، و تزداد علواً ؛ كانت تسكب على رأسي حمما و جحيما ، دون أن تعير عطشي إرواءً .. * * * لم يلحظ أحد غيابه .. عبر حياتهم مجرد من الرائحة ، و غاص في النسيان سريعا . ربما تخيله أحدهم ، كطيف لا يعرف كنهه ، و لا اسمه ، قابله يوما ما .. في زمن بعيد ، و مكان بلا ملامح .. يراوده الحديث عن نفسه ، ثم يمضي و هو يلوك صمته ، و ينهر ذاكرته الخائنة .. * * * فقدت الأيام ترتيبها.. الأنهر و الليالي تتكرر على جسدي بذات المقدار ، لم أعد أعرف في أي جحيم أنا.. و لا تعويذة الخلاص .. سكن الهواء تماما . صهير الأرض يموج من تحتي . غدا حساب الزمن غير ممكن ، و الموت يحوم فوقي دون أن يحط . بلا وعي ، حملت يدي متلمسا بها وجهي الجاف . ثمة شعيرات أخذت تنفر من فوق فمي المتقرح ، و أقل منها بزغت في ذقني ، ربما صرختُ حينها .. أو لعلي رقصت ؛ لا أذكر ما الذي بدر مني .. لكني أذكر أني وليت الشمس ظهري ، بعد أن قلت لها : شكرا .. لم أعد بحاجة إلى أم ، لقد أصبحت رجلا .. أحسست بها تهبط .. تبرد .. ثم تربت على كتفي ، بعد أن ابتعدتُ عنها كثيراً .. * * * اقتحم خبر عودة القافلة كل البيوت . زمن غابر ذاك الذي أشاع خبر مقتل أفرادها ، و قليلون الذين يتذكرون تفاصيل ما حدث ، لكنهم تقاسموا جميعا دهشة عودتهم للحياة .. نشطت الذاكرة الجماعية الخاملة ، و هم يحكون للعائدين من الموت كيف تلقوا نبأ نعيهم . بزغت في نتؤات الحديث : سراديب العزاء ، التجارة البائرة ، و الأموات الذين ما وجدوا من يبكي عليهم فمضوا لنهاياتهم مجردين من كل ذكرى .. و التهم سهرهم الليل .. إذن لم يمت أحد ؟!! لا ! ابتلعتنا الصحراء ، حتى إذا ما لاكت أعمارنا .. بصقتنا .. فعدنا إليكم ! اجتاح القرية فرح غريب ، هي التي لم تتقن سوى الجفاف و الجدب على مدّ عمرها القديم ، حتى أولئك الذين لم يبك عليهم أحد يوم ماتوا ، وجدوا أنفسهم يرقصون ، و حناجرهم تضخ الغناءَ ببذخ . للمرة الأولى تضوع الأزقة كلها برائحة اللحم و العود . من بين الصخب ، نزّت صرخة شقت الضوضاء : رجل ميت .. رجل ميت !! توقف الفرح فجأة .. و التفت الجميع لـ حمود ابن الخباز ، مذيع أنباء القرية .. أقول لكم .. هناك رجل ميت على مشارف البلدة .. من هو ؟ لا أعرفه !! مشى الجميع نحو المكان ، يقودهم حمود بوجه لم يخلُ من نشوة سبق الاكتشاف .. هل يعرفه أحد ؟ سأل العمدة .. كل الرؤوس اهتزت بالنفي .. و بعضها أبدت عدم اكتراثها ، و عادت لاستئناف الفرح .. ربما كان عبدا آبقا من إحدى القرى .. هكذا قرر العمدة ، و أمر بأن يدفن في مكانه . ..اعترضت ثلة من الموجودين ، مطالبة بأن يصلى عليه و يدفن في مقبرة القرية ؛ لكن العمدة استفتى إمام المسجد فأفتاه بأن العبد الآبق لا يصلى عليه و لا يدفن مع المسلمين ، لأنه خالف ولي أمره . انتشى العمدة لموافقة حكمهُ حكمَ الشرع ، ثم أخذ يحث الموجودين على العودة لإكمال الحفل . * * * استيقظت القرية على شعور يشبه الندم . الحناجر التي صدحت بالغناء طوال الليل ، تآكلت صمتا . تدلت الرؤوس على الصدور بحياء كثيف ، و كل الأعين تحاشت بعضها . البهجة إثم ينبغي أن لا يتكرر في مكان كهذا ، و ما كان من اللازم أن يبالغوا بالفرح لعودة قافلة ! أخذ الصمت يتكور ، يمتلئ بلزوجة الخطأ ، و الأنفس اللوامة . الدكاكين فتحت أبوابها دون كثير من الإزعاج لـ قلة ارتادوها قبل أن يغادروا على عجل . اكتفت الحيوانات بشيء من ثغاء و نباح و مواء ، و أصوات أخرى تتعثر بالصمت .. صوت وحيد ، أخذ يتسلق جدران السكون ، يطرق الأبواب المغلقة على عارها .بدأ خافتا مبحوحا ، مكدسا بالرجاء و آثار نشيج طويل ، ،و انتهى بصياح فتح مصاريع النوافذ المظلمة . من خلف العتمة ، ومَضت الأعين مستنكرة ، و تركت في الدروب رائحة شرر قبل أن توصد النوافذ مرة أخرى . ليال طويلة ، و الصوت لا يعبأ به أحد ، لكنه ما عاد يعبر الأزقة وحيدا ، صوت آخر مشبّع بالبكاء انضم إليه ، و أصبحا يوقظان الصبح مبكرا ؛ ينثران الدمع على عتبات البيوت ، و يستجديان إجابات لأسئلتهما . * * * ضائع في الغياب .. غائب في الضياع .. و مجنونان يبحثان عن ولد لهما ابتلعه ثقب حالك ! [هديل الحضيف ]
__________________
|
|
|
|
|
|
#4 |
|
أعشق التمرد
تاريخ الانضمام: Aug 2007
محل السكن: ~*~JoRdAn~*~
المشاركات: 2,198
![]() |
قارب الميدوز
صوت أخير : هنا التاريخ يتكوّن من جديد .. يرسم للبدايات .. نهاياتٍ غائمة .. و يبعثر الأحلام في جيوب الزمن .. الطرق لم تعد تفضي إلى روما .. و هدير الجماهير هجر المدرّج الكبير ، تاركا له الصمت ، و ريحا تعوي في أروقته .. في عمق هذا (الأطلسي) ، تستقر أوديسة محفوظة بالملح و الظلمة ، لا أحد غير هذا الماء .. و الشمس التي تشتعل على وجهه ، يذكر الحكاية .. و أنا المدجج بتفاصيل لم تبرح أماكنها الأمامية في مقاعد الذاكرة .. منذ ستين عاما ، و البواخر لا تعبر هذا الشاطئ .. تطلّ بأشرعتها من الأفق البعيد ، ثم تغيب في ضباب كثيف .. و منذ ستين سنة ، و أنا أنتظر الرجوع .. و (جَنَوى) .. لا تعود .. تحاصرني برائحة بحرها ، بمينائها القذر .. بصناديق تستقر على ظهور مراكبها و تغادر إلى أراض بعيدة .. و بلدان تصنع الموت .. (كرستيان) يغني بصوته الأجش ، و ما حولي سوى مساحة زرقاء كالمستحيل ، تتكسر على أقدام الصخر .. يصرخ بي القبطان لأن أربط الأمتعة و أحملها إلى السفن ، رغم غرقها .. و نسوة كثيرات يلوّحن بمناديلهن ، و المسافرون ليسوا إلا نوارس تملأ الفضاء بالصخب .. ما من أحد هنا سواي يا (مانويلا) .. في الأرض الموعودة .. أرض الأحلام .. أنتِ التي أوصلتِني ، ثم تركتِني نهبا للشوارع الخلفية الحقيرة ، و للغربة .. كل الذين تبقوا ، تلقفتهم الحياة .. مبقية لي فتاتهم لأقتات عليه .. بالأمس ذهبتُ إلى (فيلبو) ، صديقنا الذي أعطيتِه كسرة الخبز خاصتك ، رغم الجوع و الموت اللذيْن كانا يتربصان بكِ .. - بالمناسبة ، أصبح اسمه (فيلب) بعد أن امتلك نصيبا كبيرا من أسهم شركة لتأجير اليخوت - كان لطيفا معي ، لكن يبدو أني ساهمت في تعطيل بعض مصالحه ، فآثرتُ أن أخرج أثناء مخابرة كان يجريها بواسطة هاتفه الذي لم يهدأ .. سمعتُ أيضا أن (ماسيمو غوستيني) قد قام ببطولة فيلم جديد ، و دور السينما ما فتئت تعرض فيلمه السابق باستمرار ؛ مازال يحتفظ بوسامته .. و يكتبون كثيرا عن قفشاته ، رغم ذلك تبدو لي باهتة ليست كالتي كان يقولها و نحن في بحر الظلمات .. لا أذكر أسماء الثلاثة الباقين .. و ما أظنكِ تأبهين .. * * * صوت محايد : أخذ الليل يقتحم الأكواخ بالبرد القارس .. و المواقد لم تعد تبث الدفء .. ظل شاحب وحيد ، يعبر الطريق ، و يتلمس الجدران المنهكة .. ثم يختفي وراء زاوية بعيدة .. مانويلا ؟! عدتِ مبكرا .. تسللتُ من الباب الخلفي على حين غفلة من الحارس .. كيف هي الأخبار القادمة من روما ؟ ” أيها الشعب الإيطالي العظيم .. إن تاريخ إيطاليا يتوقف عليكم الآن .. أنتم الذين ستعيدون مجد روما ” .. قالها ساخرا ، و مقلدا صوت المذيع الذي سمعه من مذياع معلق في حانة الميناء .. و أردف : فليذهب مجد روما ، و ليبق مجد اليوفي (1)! تجنيد إجباري ؟!! سيجندون الذين يعنيهم مجد روما ..! و أنت ؟ أنا أشجع اليوفنتوس ! المدينة الغافية على حافة البحر ، استيقظت فجأة ؛ لتمتلئ مصانعها بعاملات صغيرات مكرّسات للموت ؛ و تتكدس السفن بالأسلحة ، بأوهام النصر ، بأحلام الصغار ، و صلوات الأمهات ، بمجرمين فاضت السجون بهم ، فألفوا أنفسهم جنودا يحمون الوطن .. ثم تمخر الماء باتجاه ثقب أسود يستوطن الأفق .. غدا الميناء محطة لمسافرين يغادرونه ثم لا يعودون أبدا ! وحده (فرانشيسكو) الذي لم يقف بعد في الميناء ليودع أحدا ، أو لتحمله أحد المراكب إلى أرض مجهولة .. و أعداء لم يقررهم هو .. هيه مانويلا ..! قلتِ بأنكِ لم تجدي فحما إذن؟ ربما أخذوه إلى برلين .. سيحتاجه هتلر ليعيد لهم أمجاد روما .. أما شعب روما فيمكنهم أن يفركوا أيديهم قليلا ، و يناموا بمعاطفهم .. و أن يغلقوا نوافذهم جيدا .. ليحصلوا على الدفء .. و على أحلام لا تكلفهم كثيرا من التحسر ! .. نامي مانويلا .. نامي يا ابنتي ، سنقضي ليلة أخرى في بطن الوحش . نسيت ! .. دانيال أخبرني عن شاب يعمل في الميناء ، قدِم من نابولي الشهر الماضي .. يدّعي أنه أفضل من يطبخ المكرونة ! أخيرا سأتذوق الاسبغاتي ..! * * * الشمس الواهنة ، غمرت الطرق بغبش من نور خفيف .. و الضباب ما غادر المرافئ بعد .. لم ينم الميناء منذ أن رست الباخرة الضخمة بـ حذاء الجرف .. أوامر القباطنة ، القصيرة و الحادة ، استنفرت جميع الموجودين ، عدا عامل انتبذ مكانا قصيا ، متسليا بتقليم عصا خشبية بنصل صغير .. انطونيو ! سقط النصل من يده ، على أثر الصوت الأجش الذي ناداه .. أوه ! .. كرستيان ! .. كنتُ أنتظر من يساعدني في حمل الصندوق ، يبدو أن السماء أرسلتك ! شيء من دفء ، سربته الخيوط الواهية التي أفلتت من قبضة السحاب المركوم ، فارتفع صوت كرستيان مغنيا .. هيه كرستيان ! .. صوتك سيتسبب في فصلنا !! لِم لا يتسبب في ترقيتك ؟! لأن القيادة ستظن أنها مروحية للحلفاء .. ! ثلاث سنوات ، و ثمة حلم تنهش من أطرافه ، الحرب .. في كل يوم ، يذوي أمل في قلب ما .. بينما يشي الأفق بسواد حالك .. وهج يخفت .. و طيور تغادر باتجاه اللاعودة .. في المساء ..امتصت الدروب العمال المنهوكين بالسهر و الأمنيات المبتورة ، بعد أن توارت الباخرة في الحجاب ؛ فخوى الميناء إلا قليلا .. * * * صوت محفوف بالتيه : الساعة التي احتوت رحيله ، كانت تحمل العدد صفر .. أيامي التي قبلها .. تُحسب بالموجب ، و ما بعد سفره .. تحمل الإشارة السالبة .. كل الذين رحل بعدهم ، لم يجدهم ساعي البريد ليحمل إليهم أمنيات الأبناء ، و أشواق الزوجات .. لذا أعلنتُ الحداد عليه مذ تلاشت النفثة الأخيرة لمدخنة القطار .. فجأة وجدتُ نفسي في التيه .. على شفا ضياع .. و بلا أبي ! كل الشوارع حملت ذات العلامات ، و كل الوجوه لبست نفس الملامح .. بعد استدعائه للتجنيد ، باع كل شيء يخصه ، و سلمني الثمن .. ستساعدك .. يا مانويلا .. ما عدا قميص اليوفنتوس .. ثمة أشياء تستحق البقاء يا أبي .. اتركه لي .. في محطة القطار ، كان يضحك بصوت عال ، ليكتم بكاءً تفجر داخله .. هيه مانويلا .. في الوقت متسع للضحك .. و الحياة ما زالت تكفي للغناء .. و الرقص أيضا ! .. أخبري انطونيو أن يجهز الاسبغاتي لي ، لأني سأعود قريبا .. بعد الصافرة الثالثة للقطار ، ماجت في عينيّ الصور.. لم أعد أرى إلا أطياف هلامية .. و ما عدت أسمع إلا أصوات عويل .. و نشيج بعيد .. لا أذكر كم من العمر مضى ، لكن يبدو أن زمنا طويلا اجتازني قبل أن ينبهني عامل صغير إلى أن وقت إغلاق المحطة قد أزِف .. برد ديسمبر ، و كتلة السديم الهائلة اللذيْن اعترضا خروجي من المحطة ، أخطراني بأن عليّ أن أبحث عن أفق جديد أعتمده مشرقا لشمسي المُنهكة .. * * * احتفظت بالرسائل التي شرعت بكتابتها لأبي كل فجر ، في كيس قماشيّ ، لم أكن أعلم كم عددها ، كنتُ أتحاشى الزمن و التاريخ .. و أنام دون أن أنتظر الغد المفرغ من الآمال .. مائتين و ثلاثون رسالة ؟!! من سيحملها إلى فرانشيسكو يا مانويلا ؟!! لا أحد .. إذن لِم تحتفظين بها ؟ قد يعود يوما .. فيجدها .. كنتُ موقنة أنه لن يعود ، رغم أن انطونيو يحاول منحي قليلا من شمس في ظلمتي المستعرة ، برواية قصص عن سفن رست بالميناء مؤخرا ، محمّلة بآلاف الجنود الذين عادوا ، كنت أعلم أنه يختلقها .. و أن ما من سفن في الميناء ، سوى تلك المغادِرَة .. أما السفن القادمة ، فلم تكن تأتي أبدا .. مانويلا .. سيأتي .. أنا متأكد من ذلك .. ستنتهي الحرب قريبا ، هكذا سمعتُ اليوم .. فرانشيسكو يحب الحياة ، و يحبك .. و حتى لو لم يكن يحبك .. فهو لن يموت .. لأن اليوفي يتصدر فرق الدوري .. صلّي من أجل بقائه .. و لا تبكي .. أرجوكِ لا تفعلي ذلك ..! و بمناسبة ربحي خمس سنتات إضافية اليوم ، سأشتري لحما ، لأطبخ (لازانيا) .. سنعيش إحساس المترفين اليوم ..! ابتسمتُ دون أن أدرك تماما ما الذي يقوله . * * * شاهد عيان : الطرق مكسوة بالجوع ، بمستنقعات موبوءة ، و بأطفال لفظتهم الأكواخ التعيسة .. في الصحاري الأفريقية البعيدة ، تتبخر أمنيات العودة .. و محطات القطار ، و الموانئ امتلأت بأوهام اللقاء .. انطونيو .. ابحث لي عن أرض أخف قسوة من هذه ! .. لم تعد إيطاليا وطنا ..! الأرض أضيق من أن نجد وطنا جديدا .. دعنا نحلم بأن ثمة مكان سيحتوينا، بأن ثمة زمن ملون .. أن ” في الوقت متسع للضحك .. و الحياة ما زالت تكفي للغناء .. و الرقص أيضا ” .. مانويلا .. الأحلام غدت ترفا ينبغي لنا أن لا نمارسه ! أمريكا .. ستكون أبعد من أن تلحقنا آلامنا إلى هناك .. الهجرات التي توارت في بطون السفن ، أخذت تمخر عباب الأطلسي ، محفوفة بالموت .. و بالرجاءات الواهية بالخلاص .. خمسون ليرة ، و نحملك إلى خارج المتوسط .. و بعد (المتوسط) ؟ ثلاثمائة ليرة إضافية للوصول إلى سواحل أمريكا .. * * * باعت الكوخ بما فيه ، و أشياءها الصغيرة .. لم تبقِ سوى القميص ، و الكيس المملوء بالرسائل التي خذلها ساعي البريد .. كتبت رسالة أخيرة : ” أبي .. هاهو العمر يتركني في المهب .. نهبا لليباب .. و للأراضي البور .. أعدك بأني لن أهرب بعيدا ، سأبحث عن وطن للضوء .. و كفى .. فرانشيسكو مانويلا ، زمن المنفى .. “ و رمتها في الكيس بلا تأريخ .. خُيّل إليها أنها سمعت بكاءً لا يشبه سوى فرانشيسكو ، أطرَقَت .. ثم امتطت طريقا إلى الميناء .. الهواء كان ساكنا ، و الليل تعرّى من نوره ، مجموعة تصل إلى العشرين ، كلهم يبحثون عن مرفأ لأعمارهم المخذولة .. لم تستطع أن تتبيّن ملامحهم ، لكن بدا لها أنّ لا امرأة سواها .. سنتنكر أولا بلباس الصيادين .. لوهلة ، امتلأ جوفها بالفراغ .. شعرت بأنها على سلم ، لم تدر ما نهايته ، و ما كانت بدايته واضحة ، كانت معلقة بالهواء ، و تحتها هاوية من سواد دامس .. مانويلا .. أتى صوت انطونيو ليرتب الأفكار التي بعثرتها الريح .. و ليمنحها قلبا مطمئنا ، و لو إلى حين .. على مقربة من القوارب الأربعة التي رست على شاطئ بعيد عن الميناء ، وقف رجل طويل ، بملامح غامضة ، و عينين حادتين ، بدا و كأنه قائداً للفرقة التي ستتولى القيادة : سيستقل كل خمسة منكم قاربا .. و سننطلق قبل أن يطلع علينا الفجر .. يجب أن تدركوا بأن السلطات لن تسمح لنا بتجاوز المياه الإقليمية إن وجدتنا، و قد نتعرض للمساءلة و السجن .. أخذ الخوف يبني حجراته في القلب ، استعدادا لإقامة طويلة بها .. .. إن سارت الأمور كما نحب ، فسنصل مضيق جبل طارق في أسبوعين .. و أرجو أن لا يعترض طريقنا عارض .. اركبوا .. و ليباركنا الرب .. * * * خمسون يوما مضت ، منذ أن وجدوا من ينقذ أحلامهم التي تُركت بمواجهة مع الموت على ساحل أسباني ناء ، ليودعها عمق مفازة الماء تلك ..! تكدس القبو الرطب للسفينة الضخمة بمئات المهاجرين الأسبان و البرتغاليين .. و الضوء يضمر شيئا فشيئا ، حتى يتلاشى .. أحد القوارب الأربعة التي غادرت جنوى، وقعت في مصيدة خفر السواحل ، لتتابع الثلاثة الباقية طريقها غرباً .. شهر إلا قليلا ، و مضيق جبل طارق لا يظهر .. طيور الماء تقلصت أجنحتها ، فما عادت السماء تحويها .. و (المتوسط) بدا بحرا أبديا بلا نهاية .. انطونيو .. أشعر بغضب أبي .. عادت النوارس للتحليق بعد لأي ، و ظهرت أطراف لأرض بعيدة .. صرخ ذو العينين الحادتين : ها قد أذعن لنا المضيق ! في عنق (طارق) .. ثمة قلق اجتاح العينين الحادتين : جوزيف .. أكانت البواخر الإنجليزية موجودة في رحلتك السابقة ؟ و غمز بعينه .. لا يا سيدي .. كان المضيق خاليا تماما ..! اختفت النوارس ، و نأت أطراف الأرض البعيدة !! انطونيو .. أبي يبكي !! * * * أصوات لانفجارات تأتي من فوقهم ، و من أسفل منهم ، و القبو أبعد من أن يصله خبر .. سكون أشبه بالموت ، اختلط برائحة العرق .. البول .. و جثث متعفنة .. المكان لا ينبئ بالوقت ، و الزمن غدا سرمدا لا مخرج منه .. ساعة .. ساعتان .. أكثر .. و السفينة ترتج في مكانها .. موقدة مراجل للفزع في الصدور المتعبة .. على الطرف الآخر للقبو ، ثمة بكاء خافت .. حيث أبوين أسبانيين صغيرين .. و رضيع ما جاوز عمره الأيام .. أصوات ابتهالات متصلة .. و نشيج متقطع .. ثم صرخ الأب : لقد ماااااااااات !!! و هدأت السفينة ! * * * في نقطة غائبة في المحيط ، رُميت الأجساد التي ملأت القبو برائحة اللحم المتفسخ ، و بقيت عشرات قليلة من المئات الذين غادروا أسبانيا أول مرة .. انطفأ الضوء في الأعين .. و فقد الجميع اللغة التي اخترعوها للاتصال فيما بينهم .. الموت يمر .. ببطء.. الاحتضار .. أبدي .. و الجوع يفترس البقية بوحشية .. تسلل خيط نور من الباب الصغير الذي فُتِح : يقول لكم القبطان بأننا سنصل ميامي الليلة .. فاستعدوا .. ثم عادت الظلمة تطبق على المكان .. مانويلا .. مانويلا .. استيقظي .. الحلم يغادر باتجاه الحقيقة .. مانويلاااااا .. مانويلا !! * * * صوت أخير .. قد يبدو مكررا : فعلتُ ما وصيتني به ، دفنتُ قميص (اليوفي) في قبر يجاور قبرك .. و أودعت الرسائل في قوارير تركتها للموج يحملها إلى (فرانشيسكو) .. أضفتُ رسالة من عندي ، و لتغفري لي .. أخبرتُه فيها أن اليوفينتوس مازال عظيما كما كان ، لقد حصل على الأسكيدتو (2) ست و عشرين مرة .. و قابل الميلان في العام الماضي على نهائي الشامبيونز ليغ (3) ، بيْد أنه خسر ، كنتُ سأكتب له أنه ربما خسر لغياب ندفيد ، لكني خشيتُ أن لا يعرفه .. لم أكتب له عن الحرب و لا عن إيطاليا بعدها ، كل ما قلته : ” لقد قتل الإيطاليون موسوليني ، فرانشيسكو .. أعتذر لأني لم أكن منهم ..” مانويلا .. المكان موحش .. أفتقدك !!
__________________
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
عضو ألماسي
تاريخ الانضمام: May 2007
محل السكن: بهيكلـ مريمـ
المشاركات: 1,197
![]() |
لي مكان هُنا بلا شك
هديل النقية_رحمها الله رحمة واسعة_ باب الجنة وعتبات للسماء هي قد اجتازتها سأعود..
__________________
|
|
|
|
|
|
#6 |
|
بسمة من جديد
تاريخ الانضمام: Sep 2008
محل السكن: ليبيا
المشاركات: 3,372
![]() |
اللهم أرحمها برحمتك الواسعة
توشحت بالحزن وأنا لا أعرفها فكيف إذ عرفتها ؟؟؟؟؟؟؟
__________________
وكان في الفرقان ترياقي
|
|
|
|
|
|
#7 |
|
أعشق التمرد
تاريخ الانضمام: Aug 2007
محل السكن: ~*~JoRdAn~*~
المشاركات: 2,198
![]() |
!!مطر قاحل!! خلف الأبواب الموصدة لبيوت الطين تموت حكايا .. و تذبل على وقع الصباح كلمات تسربت من شقوق الليل .. تشمخ نخلة لتناطح الشمس ، و سماءٌ تكاثفت فوق سقف قرية امتطى الغبار أزقتها الخاوية .. و من هشيم الأمس .. ينبت نهـار .. هنــا وجوهٌ تحترف الحزن .. تتقن رسم الملامح على شاكلة أرض عطشى بـ ألوانِ سنابلَ تموت .. تقتات على فتات أغنية لحادي قافلة اخترقت الأفق ذات رحيل .. و لم تعد !! ” لا شيء يغري بالبقاء.. لاشيء” انفرطت من فمه .. بينما البلح يتساقط (خمِجـاً.. حامضاً ) على رأسه !! .. * * * منذ آخر مرة عانقت السماء أرضهم .. و الليل يبتلع واحدا أو اثنين منهم .. لا أحد يعرف كيف يتلاشون ، لكن ثمة من يقول بأن النجوم تلتقطهم .. ليقضوا بقية حياتهم بالمطــر ..و آخر يجزم بأنه يسمع أصواتا في غيهب الليل ، سرعان ما تختفي حين يخلع الليل ظلمته .. يركزون وتد أبصارهم في الشفق .. و يلوكهم الانتظار .. ثم يوارون أدمعهم بأطياف ابتسامات منهكة .. و تشتتهم الدروب .. * * * سنى .. و حلم كل ما تبقى له في صدر أدمن قلبه ضخ الوجع .. كل ما تبقى له ، بعدما شقق الموت أرضه ، و نهبت الريح سنابله .. و غدت نخلته شاهد زمن لملم أيامه و هرول باتجاه هجرة أبدية ، تاركا له ذكريات تستنزف ذاكرته .. * * * في فضـاء .. استوت تضاريسه ، أخذ الضجيج يتبدد ببكـاء مبحوح .. (كِـسَـر) دواب مهزولة .. أطفـال يتلمسون منابع الحياة في صدور أمهاتهم .. و حناجر يتحشرج بهـا الصوت : - اللهم أغثنــــــــــــا .. و الأكف ترتفع واهنة .. ترتعش .. - اللهم أغثنــــــــــــــــا .. و نزيف القحط يغمر المكان .. - اللهم أغثنـــــــــــــــــــــــــــا .. تمر السحب عقيمة .. تغري بـ القطر .. دون أن تهبه .. سنى يخبو .. و حــلم يحتضر .. * * * يبعثر خطـاه فتتوه به .. تنتشله من جدران الطين الشاحبة لتودعه عمق الفراغ ، هنـاك .. تنتفي الأبعـاد .. تنصهر المسافة .. ” كـانت يومــاً … مـاءً ” رميم عظـام ينسحق تحت قدميه .. يختلط بالأرض و يختفي .. يمضي نحو نقطة تتهـادى في البعـد .. يبعثر خطواته في الأزل .. ثم يعود ليجمعها .. ناقصة من دمه .. نبضة ! أفقا بكامله ، محملا بظلام ، و فحيح .. يزحف نحوه .. يلتفت خلفه .. باحثا عن درب عودة يمتطيه .. كل الاتجاهات تحاصره .. توقد يبابا و نهــاية .. يتهاوى .. الرمل ينهش وجهه ، يخمش الجلد .. فتتساقط مزق لحــم كست وجهه ..منذ جفاف سالف . يقاوم الريح ، و هي تغترف الشوك لتغلق به نوافذ الحياة .. تباعا .. يلوذ بـ (بشته) .. و يحكم لف شماغه حول رأسه .. كل الآفاق تتلاشى .. تعربد الريح .. فتردد قهقهاتها الكثبان .. ثائرة .. السنى ينطفئ .. و الحــلم يموت .. حتى شماغه المهترئ لم يعد له جدوى ، مزقته الريح لتنتهك ما تبقى منه .. * * * ثمة من قال .. بأن النجوم التقطته .. ليقضي بقية حياته في المطــر..! آخرون يجزمون .. بأنهم سمعوا صوتاً مبحوحاً في خاصرة الليل سرعان ما اختفى حينما ارتدت السماء شمسها !! !! هديل الحضيف !!
__________________
|
|
|
|
|
|
#8 |
|
أعشق التمرد
تاريخ الانضمام: Aug 2007
محل السكن: ~*~JoRdAn~*~
المشاركات: 2,198
![]() |
!! ضي !! مكتب سنديان عتيق .. زجاجة حبر فارغة … و باب نصف موصد .. المطر في الخارج يضرب الأرض بعنف. نمت حول جسدي خيوط العنكبوت .. و يدي تمسك بشظايا جرح قديم .. دقات الساعة الرتيبة ، تتسابق للثانية عشرة .. بينما النوم يأخذ طريقه إلى كل شيء سواي .. كحداء حزين .. عادت الذاكرة ، تستجدي الذكريات الألم .. تلك الذاكرة التي ما فتئتُ أجرها لأزقة حي مطمور تحت تراب الزمن .. حيث كان النزف الأول .. * * * كنت أغادر عامي الثالث عشر ، حينما سمعتُ صوت أمها صارخا، قبل أن يولد الفجر بساعات قليلة .. علمت ُ صباحا ، أن جارتنا أم البنين العشرة، قد أنجبتْ أخيرا .. بنت . عُرفا ، لم تكن سوى ابنة لجيراننا ، لكني أحسست بها شيئا آخرا .. شيء مختلف ، كنتُ أبرر لنفسي هذا الأمر كوني وحيدا بلا أخوة ، لكني اكتشفت (متأخرا) أن هذا السبب لم يكن سوى أرض هشة ، تهاوت على حين غفلة من تحتي . سألت أمي أن أذهب معها ، ثم انتابني شعور أني سألتها أمرا منكرا ، فأردفت قائلا : لم أر في حياتي مولودا يا أمي .. ضحكت .. و سمحت لي بمرافقتها .. * * * قلت لأم سعد : سموها (ضي) .. حينما أخبرتني بأنهم لم يختاروا لها اسما بعد ، لم أسمع بهذا الاسم من قبل ، لكنه جاء على لساني في تلك اللحظة فقط . وضعتها أمها بين يدي ، سافرت عيناي في خريطة وجهها المنمنم ، عيناها .. ما دلهما الضياء بعد ، خفضت رأسي و قبلت جبينها ثم أعدتها لأمها . رغم أولاد جيراننا العشرة ، إلا أني لم أحس بجيرتهم إلا بعد (ضي) . أصبحت أتردد عليهم يوميا .. لا لسبب .. سواها .. حتى نهرتني أمي قائلة بأني أصبحت رجلا و ليس من اللائق أن أدخل بيت جيراننا . ألف الناس رؤيتي مع (ضي) في السوق ، بعد أن أكملت عامها الثاني . ضحكتها التي تملؤني فرحا .. عيناها الواسعتان .. لونها النجدي .. الطيني ، كل هذه أصبحت أساسا في حياتي .. آخذها عصرا معي للسوق حيث أقف في دكان أبي ، و أتركها تعبث بكل شيء ..و أكتفي أنا بالضحك ! * * * قهقهتُ فرحا ذات مساء صيفي ، عندما قالت لي أمي و هي تناولني فنجان القهوة : أم سعد تقول” أن (ضي) .. لا تكاد تعرف سوى (خالد) .. حتى أنا بالكاد تعرفني .. فكيف بوالدها و أخوتها” علقتْ أمي : قد يأتي يوم .. و بالكاد تعرفك .. ثم أسفر المساء بابتسامة أبي .. * * * لم أشعر بالزمن إلا ذاك الصباح ، حينما طرقت الباب .. لتخرج إلي (ضي) و تخبرني بأن أمها رفضت أن تسمح لها بالخروج معي ، لأنها كما تقول أمها أصبحت كبيرة ، و من (العيب) أن تخرج مع الرجال. (عمي) .. سأظل أشتري من دكانكم .. كأنما تعزيني .. و ابتسمت ثم توارت خلف الباب الذي أوصد ببطء .. ” عمي “.. بقيت ترن في أذني .. تتفجر .. لم أشعر يوما بالألم كشعوري به ذاك اليوم .. استلقيت على فراشي ، لأكتشف أن الفلك قد دار عشر دورات كاملة منذ أن أشرقت (ضي) ذات ليلة . كنتُ أشعر بالغيظ .. بالجرح .. بحزن دامٍ.. كيف تمنعني أم سعد من ضي و قد قبلتها صباح ما ، بين عينيها ؟ .. كيف تمنعني و قد أضاءت حياتي لعشر سنوات ؟ .. كيف يطيب لها أن تغمر باقي أيامي بالظلام دون سابق إنذار ؟ .. ثم ألفيْتُ نفسي أبكي .. و قد ارتوت وسادتي دموعا .. هبط الليل شيئا فشيئا على قلبي ، مر زمن دون أن أخرج من الغرفة ، حتى قهوة المساء لم أتناولها مع أهلي ، المرض بدأ يتسرب إلي ، و أخذت الحمى تسري في أوردتي . طرقت أمي الباب أول الليل ثم دخلت ، راعها منظري ، وجه محتقن .. عرق نازف .. و جسد مشتعل، لم تنبس ببنت شفة ، أطالت النظر إلي ، ثم وضعت يدها على رأسي ، و أدنت فمها من أذني و همست : و ما الذي يعنيك من أمر طفلة ؟!!! أمي ، هي الشخص الوحيد الذي يكاد يفهمني في كل شيء ، كنتُ متأكدا من أنها تعلم عمق (ضي) في حياتي ، و أني ما زلت أعدها جزءً مني ، قلت لأمي : هي طفلة .. لكنها طفلتي .. أم سعد قالت ذات زمن أنها متعلقة بي .. فكيف تقطع حبلا ظُـفِر بعشر سنين ؟!! مسحت أمي وجهي بقماش مبلل ، في محاولة يائسة لإطفاء الحمى التي سرعان ما اتقدت في سائر جسمي ، ثم أويت لنوم متقطع حتى الفجر . * * * ككل الأشياء التي تبدأ كبيرة ثم تصغر … كانت (ضي) ، شعلة بدأت متوهجة ثم أخذت تخبو رويدا رويدا . تمر بالدكان الذي آل إلي بعد وفاة والدي ، تبتسم لي .. فأرد ابتسامتها بابتسامة باهتة .. فقدت ألوانها منذ أن حال بيننا ذاك الباب في صباح عمره زمن جريح . لا يؤلمني أمر أكثر من قولها : “عمي” ، رغم أنها غدت خارج أسواري ، لا زلت أكرهها منها ، كم مرة كادت أن تجمح جيادي لأقول لها : “خــــالـــد .. ” ، فألجمها قبل أن تنطلق ، و يبقى في قلبي طيف منها في طريق عودتي مساءً ، ثم أقتله حالما تبتلعني الدار . اجتاح الركود حياتي ، إلا من بعض الأعمال التي يتطلبها الدكان ، ثم يعود الإيقاع الرتيب لساعاتي . أمي .. السيدة التي تتربع على عرش قلبي ، تسللت إلى غرفتي حيث الشتاء قد أثقل وطأته تلك الليلة ، حاملة (الوجار) ، ثم جلست بجواري على الفراش : - أتشعر بالبرد ؟ سألتني و هي تعرف الإجابة .. أشعر بالملل .. زفرتـُها .. حارة كئيبة .. بلغت هذا العمر .. و لم تتزوج .. و لا تريد أن تشعر بالملل ؟!!!! أيقظت فيّ هاجسا غافيــا ، حاولت أعيده إلى نومه : الزواج ليس كل شيء .. لكنه سيعيد الألوان إلى حياتك .. أجبتها بصوت تخلله الجوى : ما عاد في حياتي ألوان يا أمي .. لم تكن تلك المرة الوحيدة التي حاولت بها أمي أن تطرق أبواب القلب المـُرتجة .. شيء خفي كان يدفعني للرفض في كل مرة . كل مساء تأتي أمي و هي تحمل لي أسماءً لتعرضها عليّ ، و أبدو كمن يفتش عن ضائع ما .. و حينما لا أجده .. أرد بضاعتها إليها . تبحث عنها .. أليس كذلك ؟.. لم أكن أنتظر سؤالا كهذا ، لا أدلّ دربا لإجابته .. فاكتفيتُ بالصمت ، و لاذتْ بالانسحاب . نهش التفكير كل مساحات عقلي تلك الليلة : - أحقا أنا أبحث عنها .. رغم كل مسافات البعد .. ثم صرخ بي الفجر دون أن تهتدي مراكبي . * * * عشتُ مشوشا ، تأتي كل (عصر) إليّ لتشتري مني ، حضورها يبني مدنا من غموض ، لا أنتشي ، لا أحزن ، لا أفرح ، و لا أي شعور عادي آخر ، شعور مبهم .. يجعلني أرقب حضورها .. و حسب. و يظل يقرعني سؤال : أتشعر بي ؟! .. و حينما يتسرب إلي صوتها بـ : (يا عمي) .. تنهار كل الأسئلة ، و أتقوقع كطير صغير مبلول .. كنت أعنف نفسي : كيف تشرّع سفن شعورك نحوها .. و قد كانت ذات يوم طفلة بين يديك ، لم تفتح عينيها بعد ، ثم أذكر قبلتي على جبينها ، فيغرق داخلي بفيضان ماء مالح .. * * * مثل كل ليلة ، تأتي أمي إلى فراشي ، تتحدث معي قليلا ، ذكرتني بالذي لا أنساه : خالد .. أحفادي .. ضحكتُ بقلب مذبوح .. رمت السهم الأخير في جعبتها : أما زلت تريدها ؟ .. ظللتُ أحدق بخشبات السقف دون أن أتكلم .. رجل بعمرك .. بحاجة إلى زوجة .. لا إلى طفلة .. التفتُ إليها ببطء : لكنها لم تعد طفلة .. إني أعد أيامها يا أمي .. صمتت طويلا ثم همت بالخروج ، أطياف كلمات كنتُ أراها تتعثر عند شفتيها .. أمي .. قلتها و هي توشك أن تغلق الباب .. اصدقيني .. ما الذي كدت تقولينه ..؟ عادت إلي ، و عيناها تمور في بحر من الدمع مائج .. خالد .. سامحني يا بني .. ضي .. ما بها..؟! خرج السؤال خائفا مبحوحا .. جرّت حروفها بصعوبة : خُطِبت .. و زواجها بات وشيكا .. انقبض قلبي .. أحسست بزلزال يضرب أعماقي .. كل ما حولي غدا بلا ملامح .. كائنات هلامية تموج .. أمنيتي .. أغنيتي .. ضحكتي .. و دمعتي .. تلاشت كما يحترق نجم السماء .. و عاد صوتها : “عمي” يتأرجح داخلي ، فغاص الوجع عميقا .. عميقا .. * * * ضرب المرض جسد أمي المثقل بالسنين ، فأسرها فراشها ، و بقيت معها ، حتى سكنت أنفاسها في ليلة حالكة تماما .. عدتُ من الصلاة عليها ، و في قلبي ألف حزن .. و حزن .. البيت موحش ، كمعبد بوذي تسكنه الأشباح ، دخلت غرفتي و استلقيت على الفراش أرتقب مجيء أمي ككل ليلة .بدا الصباح ميتا ، لم أسمع صوت تحريك الأواني بالمطبخ ، و لم أشم رائحة (حمس) القهوة , في الفناء .. بقيتُ أنتظر أن تأتي أمي ، حتى أيقنتُ أنها رحلت لما خلف الأفق . و على أنقاض حزني … نما حزن آخر و أينع .. كنت قد أكملت الثلاثين (جرحا) ، و في الليل تسلل إلي صوت طبول من مكان قريب ، فضربت جذور الأسى في أعماق قلبي ، و تحول كل أمل .. لحلم ليلة صيف .. أغلقت على نفسي حجرة أمي ، و بكيت طويلا .. أحسستُ بحزن جامح .. ألم موجع : متى يبكي الرجل ؟!!! قمتُ ألملم بقاياي ، و خرجت متسربلا بالظلام ، و أنا أغلق الباب للمرة الأخيرة ، جُرِحت يدي جرحا ما زلت أنكأه كل ليلة .. كي لا أنسى .. مررتُ بدار (ضي) .. و تلوت تراتيل الوداع الأخيرة .. كان ثمة جدران طين عتيقة .. !! هديل الحضيف !!
__________________
|
|
|
|
|
|
#9 |
|
عضو ألماسي
تاريخ الانضمام: May 2007
محل السكن: بهيكلـ مريمـ
المشاركات: 1,197
![]() |
لا أخشى الموت، أخشى أن يموت أحبابي! قد قالتها هديلنا يوماً ولم تكن لتعلم كونها ستموت قبل أحبابها وقبل نفسها كذلك..
__________________
|
|
|
|
|
|
#10 |
|
عضو ألماسي
تاريخ الانضمام: May 2007
محل السكن: بهيكلـ مريمـ
المشاركات: 1,197
![]() |
تيقنت بأنك وحدك التي تجلبين الخراب لروحك، رغم كل ما تدعينه أو تحاولين إثباته لي ولنفسك بأنك تتنبئين بالخراب قبل أن يقع، فتتخذين أساليب للوقاية منه!
أنت لا تفعلين شيئاً سوى التعجيل به، العذاب قاب يومين أو أدنى، والأفق ما عاد يحمل معه من بعدك سوى نذر النهاية.. رجوتكِ أن تكفي عن صنع شواهد قبورنا، أن تتوقفي عن حفر هاويتك بيدك.. رجوتك أن تتغابي، لا أن تكوني غبية! صدقتـِ
__________________
|
|
|
|
|
|
#11 |
|
عضو ذهبي
تاريخ الانضمام: Sep 2008
محل السكن: Islamic Arabian Nation ( now in Egypt)
المشاركات: 344
![]() |
رحمة الله عليكى ياهديل
أسأل الله أن يمنحنى فرصة لقاءك فى الفردوس الأعلى بما أنى حرمت من معرفتك فى الدنيا. وأن نكون جميعا فى صحبة المصطفى صلوات ربى وسلامه عليه. زاد الروح وروح أنثى الله لا يحرمكم الاجر والثواب. |
|
|
|
|
|
#12 |
|
عضو ذهبي
تاريخ الانضمام: Jun 2008
المشاركات: 212
![]() |
السلام عليكم
لست ادري ما اقول !لم اكن اعلم شيئا عن هذه القاصة ولم اكن قد سمعت بها من قبل ! قرأت ما هو مدون هنا اعجبني وعرفني بقاصة شابة توفيت في ريعان الشباب "هديل الحضيف" كانت بالفعل بادرة جيدة من روح انثى وايضا زاااااد الروح ان سلطتا الضوء على هذه القاصة ومكنتاني شخصيا باضافة علم جديد من اعلام الابداع الى معلوماتي . رحم الله "هديل الحضيف" واسكنها فسيح جناته |
|
|
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| أنماط العرض | |
|
|